القرطبي
192
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
محاجن ( 1 ) لهم في مراقه ، فبزغوه ( 2 ) بها ليقوم ، فأبى ، فوجهوه راجعا إلى اليمن ، فقام يهرول ووجهوه إلى الشام ، ففعل مثل ذلك ، ووجهوه إلى المشرق ، ففعل مثل ذلك ، ووجهوه إلى مكة فبرك . وأرسل الله عليهم طيرا من البحر ، أمثال الخطاطيف والبلسان ( 3 ) ، مع كل طائر منها ثلاثة أحجار : حجر في منقاره ، وحجران في رجليه ، أمثال الحمص والعدس ، لا تصيب منهم أحدا إلا هلك ، وليس كلهم أصابت . وخرجوا هاربين يبتدرون الطريق التي جاءوا منها ، ويسألون عن نفيل ابن حبيب ، ليدلهم على الطريق إلى اليمن . فقال نفيل بن حبيب حين رأى ما أنزل الله بهم من نقمته : أين المفر والاله الطالب * والأشرم ( 4 ) المغلوب ليس الغالب وقال أيضا : حمدت الله إذ أبصرت طيرا * وخفت حجارة تلقى علينا فكل القوم يسأل عن نفيل * كأن علي للحبشان دينا فخرجوا يتساقطون بكل طريق ، ويهلكون [ بكل مهلك ] ( 5 ) على كل سهل ( 6 ) ، وأصيب أبرهة في جسده ، وخرجوا به معهم يسقط أنملة أنملة ( 7 ) ، كلما سقطت منه أنملة أتبعتها منه مدة تمث ( 8 ) قيحا ودما ، حتى قدموا به صنعاء وهو مثل فرخ الطائر ، فما مات حتى انصدع صدره عن قلبه ، فيما يزعمون . وقال الكلبي ومقاتل بن سليمان - يزيد أحدهما وينقص - : سبب الفيل ما روي أن فتية من قريش خرجوا تجارا إلى أرض النجاشي ، فنزلوا على ساحل البحر إلى بيعة للنصارى ، تسميها النصارى الهيكل ، فأوقدوا نارا لطعامهم وتركوها وارتحلوا ، فهبت ريح عاصف على النار فأضرمت البيعة نارا ، فاحترقت ، فأتى الصريخ إلى النجاشي فأخبره ،
--> ( 1 ) المحجن : العصا المنعطفة الرأس كالصولجان . ( 2 ) بزغوه : شرطوه . ( 3 ) في اللسان والنهاية مادة ( بلس ) : ( قال عباد بن موسى أظنها الزرازير ) . ( 4 ) الأشرم : أبرهة سمى بذلك لأنه جاءه حجر فشرم أنفه فسمى الأشرم . ( 5 ) زيادة عن سيرة ابن هشام . ( 6 ) في سيرة ابن هشام : ( منهل ) ( ) أي ينتثر جسمه والأنملة طرف الإصبع . ويعبر بها عن الصغير من الأشياء . ( 8 ) مث السقاء : رشح .